أنا و مخلص

كنت على وشك النوم فإذا بهاتفي يرن وإذ بإسم زميلي مخلصينير الشاشة مما جعلني أرد عليه رغم أن النعاس قد أثقل جفوني

“ألوقلت فإذا بصوته يأتيني مرتعشاً من الجهة الأخرى: “اسمع هناك سؤال يأرق مضجعي ويكاد يفتك بعقلي

“اعتدلت في فراشي وقلت لهماذا هناك؟؟ هل أنت بخير؟؟ قل و طمأني”

“قال: “ لا تخف السؤال لا يتعلق بصحتي أو بمالي أو حتى بأهلي، سؤالي هو هل يحق لي أن أفكر بالهجرة من بلدي إلى هناك؟

“قلت له: “ ماذا تقصد بهناك؟!” قال :” الولايات المتجمعة

قلت وقد اخذت نفساً عميقاً: “ اسمع يا مخلص، ما الذي يدفعك لأن تفكر بهذه الترهات؟ هل هناك ما يضايقك في بلدك؟ الذي أعرفه أنك تعيش و أهلك في رغد من العيش، أنت و اخوتك مكفولون بنظام اجتماعي متماسك حتى الممات، أليس كذلك؟

“..أجاب مخلص:” بلى ولكن الحياة هنا

“قاطعته: “ وأليس في بلدك نظام ديموقراطي يتيح للجميع التحدث بحرية وإبداء الرأي دون خوف من الرقيب؟

“..قال :” بلى ولكن النظام هنا

“قاطعته ثانية : “و أليس هناك في بلدك حرية واحترام وتقبل للآخرين بغض النظر عن جنسياتهم أو أشكالهم أو أعراقهم أو أديانهم أو خلفياتهم الإجتماعية والثقافية والعلمية؟؟

“..أجابني مخلص بكل صدق: “ أجل، ولكني أحس هنا بال

“عاجلته بسؤالي:” وهل تحس بأي عطالة أو بطالة أو تشدد أو إنحلال أو تحجيم أو تعظيم من أي طرف لأي طرف؟

“وقبل أن يجيب أكملت سؤالي:” وهل تخاف و أنت مع عائلتك أن ينقض عليك مجموعة من البشر ليتهموك في عرضك أو مالك أو دينك بدون أي دليل أو برهان؟؟

“قال لي : “ أبداً وبتاتاً البتة

قلت: “ وهل يا مخلص-وصححني إن كانت معلوماتي خاطئة-تنكر أن تعليمك هو الذي أهلك لأن تشغل الوظيفة التي أنت عليها الآن دون تدخل من أحد أو دون أخذ لحق أحد؟ وهي التي كفلت لك ولأسرتك الصغيرة والكبيرة ولمعظم أقاربك ومن حولك حياة رغيدة هنيئة لا تشقى بعدها أبداً؟؟

أطرق مخلص صامتاً ولم يجب!! ظننت أن المكالمة قد انقطعت فقلت له :” مخلص، هل لازلت هنا؟طمأنني صوته أن المحادثة مستمرة

أكملت المحادثة بقولي:” إذن مالذي يدفعك للتفكير بالهجرة لبلاد الكفر والضلال؟؟ ألا تعلم أنك ستعاني الأمرين هنا من عنصرية وعنترية أهل البلاد؟ ألا تعلم أنهم سيحجبون عنك أي ميزة يتمتع بها المواطن الأصلي وربما يودعوك السجن بدون سبب؟؟ ألم تسمع بقصة صديقنا محجوب؟

“قال لي:” ماذا حصل لمحجوب؟

قلت له:” ألم تقرأ الأخبار؟؟ تعلم أن محجوب رجل ذكي وفي رأسه ألف اختراع. المسكين ظن أنه بوجوده هناك سيلاقي التقدير فذهب إلى مكتب تسجيل براءات الاختراع ليسجل اختراعاً يساعد المرضى. هل تعلم ماذا قال له الموظف؟ قال له أنت لص وهذه فكرتي كنت قد سهرت عليها الليالي والأيام وانت سرقتها مني، سوف أقاضيك. المسكين ذهب في شربة ماء وهو الآن يحاول العودة إلى بلاده ولكنه ممنوع من السفر. على فكرة أليست بلادك هي الوحيدة في العالم التي لا تطبق نظام منع السفر بحق مواطنيها؟؟

رد علي مخلص: ” ولكني حصلت على عرض من أحد أكبر الشركات هناك والوظيفة تضمن لي ال..” قاطعته قائلاً: ” اسمع، هم يخدعونك. سوف تذهب لهنالك بتأشيرة مهندس ولكن في الحقيقة ستجد أن الوظيفة هي سائق. أعرف ثلاثة من أصدقائي وقعوا في نفس الشرك وهم الآن يبحثون عن مخرج

“قال لي مخلص بصوت حزين:” إذن مالعمل؟؟ أنا أحلم بالسفر إلى هناك وأريد أن أحقق حلمي

“قلت له:” إسمع مني ما ينفعك، إذا أردت أن تنجح في تلك البلاد لابد أن تكون إما لاعب كرة أو مطرب أو لص، سوى ذلك فلن تجني إلا الندم والشقاء والحسرة

“!!تهدج صوته وقال: “ إذن فالفكرة لا تصلح

ولن تصلح” قلت له مادمت معززاً مكرماً في بلدك فلماذا تخرج من الجنة إلى النار؟؟ مجنون أنت إن فعلت ذلك. تعوذ بالله من الشيطان واخلد إلى النوم فغداً ينتظرك مشروع مهم سيغير مجرى حياتك للأبد

شكراً على النصيحة، تصبح على خيرقال لي مخلص

وأنت من أهل الخير، على فكرة هل تعلم أنك لا تستطيع التحدث بمثل هذه الأمور على الهاتف في الولايات المتجمعة!!

حقاً، لم أكن أعلم

ها أنت قد علمت ولعله سبب إضافي للعدول عن فكرة الهجرة

أغلقت الهاتف ووضعت رأسي على الوسادة كم هي فكرة سخيفةقلت لنفسيكيف يفكر فيها وهو يعيش في بلد يتمنى الآخرون الهجرة إليه ولو كلفهم ذلك المبالغ الطائلة؟لم أجد الإجابة لأن النوم كان قد أسدل علي ستاره!!

Advertisements

3 thoughts on “أنا و مخلص

  1. بلادي وإن جارت علي عزيزة

    أشكرك على تدوينتك الرائعة

    بعض الناس يريد الهجرة من بلاده إلى بلاد أخرى، لأنه يعرف مميزات وسلبيات بلاده ويعرف إيجابيات البلاد التي يريد أن يهاجر إليها، لكن المشكلة أنه لا يعرف سلبياتها

    أذكر قرأت قبل مدة قصيرة قصة مبتعث إلى استراليا، يقول كنت أظنها بلاد الانفتاح والديموقراطية والحرية والنظام وعندما أذهب إليها سيعاملونني كمعاملتهم لأكبر مسؤول لديهم فلا يوجد لديهم تعصب والنظام يمشي على الكبير والصغير

    لكن الآن وبعد ما توفت بنته بسبب الإهمال والتعصب اللي واجهه في مستشفيات استراليا وتعمدهم لقتل بنته في بطن أمها، عرف أن بلاده وان جارت عليه عزيزة.

    شكراً على التدوينة الجميلة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s